01 أكتوبر, 2011

ومرَّت من هُنا

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة


ومرَّت من هُنا ....!!

آثارُ أقدامِها تبتعدُ والليلُ لنا سكنٌ . نفترشُ قلوبَنا . ننامُ ملتحفينَ بالهدوءِ . يدقُّ القلبُ كثيراً . كعقاربِ ساعةٍ لاتسألُ عن الزَّمنِ . المدى . نقطةُ تلاقي النظرتين . مسحورٌ أنا بشدَّةٍ . تائهٌ . أقفُ مصلوباً في مهبِّ الريحِ . يثقبني المطرُ . فيتخللني الهواءُ . أصبحتُ فارغاً . شيئاً يكسوهُ الخواءُ . كنتُ أختصرُ لها الفصاحةَ في كلمةٍ . عيناها التي لم ألتقِ بهما سوى مرةٍ . ربما مرتينِ . كانتا مرآةً لي . ولازالتا . أرى فيهما ملامحي المتمزقةَ وكأنها بلُّورةٌ . تضيءُ . لها فقط . ومازالت . مازالَ الحنينُ لها يوقد شمعَتَه . يعزفُ على أوتارِنا المتمزقةِ . ويخرجُ الصوتُ بعباءتهِ الحزينةِ . يذكِّرُني بأنها هاهنا . لازالت . تفتقدُني . لازالت . تحبُّني . رُبَّما !! . هي مختصرُ المسافاتِ الطويلةِ في قلبي . والكونُ غارقٌ في الدموعِ المتساقطةِ من مقلتيِّ الشَّمسِ . يذوبُ كقطعةِ الحلوى . وتختلطُ الألوانُ . الأسودُ يُشبهُ الأبيضَ . والعكسُ أكثرُ صحةً . فأصيحُ . ليتني حجرٌ . مثلها . مثلها تماماً . أنبضُ فقط كي أعيش . لكن لا أعيشُ كي أنبضَ . كنتُ أصدِّقُ فيروزَ جداً . عندما يتخلل صوتُها أجواءَ غرفتي المغلقةِ . أنا لحبيبي وحبيبي لي . ربما لم أنتبه لهذه الجملةِ من قبل . هي نبَّهتني لها . نبَّهتني فعلاً . ربما قصدتنا بها فيروز . نحنُ العابرونَ على شاطئ رسمناهُ في خيالِنا اللازوردي . الرَّمالُ تلمعُ . كأنها تقولُ لنا . مُرُّا كراماً من هُنا . سنحتفظُ بآثارِ أقدامِكما . ننقش للعابرينَ بعدكمُ . كي يقرأوا . ومَرَّ من هُنا حبيبان . لم نكن نعرفُ أن بعدَ المرورِ من هُنا . رُبَّما رحيلٌ . ليتجوَّلَ صوتُ فيروز في غرفتي مرةً أخرى . سلِّم لي عليه . قول له إني بسلِّم عليه . بوِّس لي عينيه . قول له إنّي ببوِّس عنيه . لنعودَ ثانيةً . أنا لحبيبي وحبيبي لي . وتلمعُ الرِّمالُ مرةً أخرى . والبحرُ المسكوبُ أمامنا . يجري . يرقصُ . يبتلعُ غضَبَهُ وصمتَه بداخلهِ . يبتسمُ مرَّةً أخرى . وتدبُّ الحياةُ . بعروقي أولاً . ثم بعروقِ البحرِ المتجمدُ نبضهُ .
تلكَ الأيامُ القليلةُ . عمرٌ كاملٌ مكتملٌ . يكفي أن النهارَ كان يُشرقُ بابتسامةٍ لم أعهدها من قبل . تجيءُ الشمسُ فيهِ بشكلٍ يجذبُ نظري إليها . رغمَ ضوئها الشديد . صياحُ الديكةِ في الفجرِ . يشبهُ كثيراً صوتَ فيروز . أخبرُها بذلك فتضحك . فتخرجُ منّي الكلماتُ واصفةً ضحكتها . ولا أدري كيفَ خرجت ؟! . كل ما أعرفهُ أنني أتفاجأُ بها على شكلِ أبياتِ أعجزُ عن كتابتها إن قصدتُ الكتابةَ . ويحضرني سيرانو دي برجراك . وقصةُ عشقهِ التي أصبحت الآنَ تُشبهُ قصَّتي . تُشبهها تماماً . أراني سيرانو آخر . ربما اختلفت الملامحُ . لكن المبدأَ واحدٌ . لأراها في أبياتٍ أحببتُ قراءتها جداً . من ألفِ ليلةٍ وليلةٍ . في نهايةِ الليلةِ السابعةِ عشرةِ تحديداً .أقرأُ . رصد النجمُ ليلَه فبدا له . قَدَّ المليحِ يميسُ في بُرْدَيْه .. وأمدَّ زحل سواد ذوائبٍ . والمسكُ هادى الخال في خدَّيه .. وغدت من الوردِ حمرةُ خدِّهِ . والقوسُ يرمي النبلَ من جفنيهِ .. وعطاردٌ أعطاهُ فرطَ ذكائه . وأبى السَّها نظرَ الوشاةِ إليه . فغدا المنجِّمُ حائراً مما رأى . والبدرُ باسَ الأرضَ بينَ يديهِ ... وأعودُ من ألفِ ليلةٍ وليلةٍ محمولاً على تلكَ الكلماتِ . تحطني في واقعِ ليلتي المنفرد . لأعودَ إليها مرةً أخرى . ألفِ ليلةٍ وليلةٍ . هنا الليلةُ السادسةُ والستون . أقرأُ . ودَّعتُها ويدي اليمنى لأدمُعي . ويدى اليسار لضمَّةٍ وعناقِ .. قالت أما تخشى الفضيحةَ قلتُ لا . يومَ الوداعِ فضيحةُ العُشَّاقِ ... لأعودَ مرةً أخرى . ألفِ ليلةٍ وليلةٍ . هنا الليلةُ السادسةُ والثلاثون بعد الماْئة . أقرأُ . طالَ الفراقُ ودامَ الهمُّ والوجَلُ . والدَّمعُ في مقلتي ياصاحَ منهملُ .. والقلبُ ودَّعتهُ يومَ الفراقِ وقد . بقيتُ فرداً فلا قلبٌ ولا أملُ .. ياصاحبي قف معي حتّى أودِّعُ مَن . مِن نُطقِها تُشفى الأمراضُ والعللُ ... وتسألُني عن الأوديسَّة . تعرفُ أنها أسطورتي المفضلة بعد الإلياذة . أخبرها بمقولةٍ واحدةٍ . لو أن باريسَ عاقلٌ لعاشت طروادة . لكنه ظنَّ منيلاوس ساذجاً . فعل فعلتهُ . فسقطت بسببها طروادة وبغباء أبيه أيضاً الذي ظن أن الحصانَ هديةُ الآلهة لهم ورضاها عليهم . لم يعرف أن القدرَ الأسواد يتربصُ بهِ داخلَ حصانٍ من الخشب . فتح لهُ بابَ مدينته . فيبادرني ردُّها . هذا رأيي أيضاً . فأبتسمُ . ويتجوَّلُ صوتُ فيروز مرةً أخرى . يالهُ من ليلٍ أكرهُ أن يأتي فَجرهُ . ثوبُ اللقاءِ يغلِّفني ولا أريدُ أن يبدلهُ نهارٌ أعرفُ أنه سينتهي حتماً . ويعودُ الليلُ من جديدٍ . فليستمرُ الليلُ دائماً . وليلملمُ الكونُ مالهُ ويرحلُ . يدورُ في مدارهِ ويتركني في مداري الخاص . في كُتبي وأوراقي المتناثرةِ وجدرانِ غرفتي وصوتِ فيروز . وعينيها . بقايا الذكرياتِ . بسمتِها . الدَّلعونا بلهجاتها المختلفةِ . وأشياءٍ كثيرةٍ اختصرتُها دونَ أن تدري فيها . وأماكنَ كثيرةٍ أيضاً . وجنوني في الزِّحام . الطرقات . تموتُ ضحكاً عند سماعِها بما أفعلهُ . وتسارعُ بمقولتِها المعتادةِ . مجنون جداً . وأردُ بطريقتي المعتادة . مين .. أنا ؟؟ .. ونبتسمُ .... ويلوحُ النيلُ في عينيَّ . قواربُه الصغيرةُ . العاشقونُ على رصيفِه . والفضاءُ من حولي . أهمسُ في نفسي . ليتني حجرٌ . مثلها . مثلها تماماً . كي أنبضَ . نعم . لكن بتبلُّدٍ . المشاعرُ لا وقتَ لها . المبدأَ هو المشاعرُ . ليسَ العكس . هو أولى وأبقى . ويحضرني شاعرُ النيلِ . فأقرأُ . قدرٌ أرادَ شقاءنا . لا أنتِ شِئتِ ولا أنا . قد كدتُ أكفرُ بالهوى لو لم أكن بكِ مؤمِنا ... وأردُ عليهِ قائلاً .. قدرٌ أرادَ هناءنا . لكن سنشقى يا أنا ! . قد كُنتِ نبضَ سعادةٍ . والآنَ صرتِ هُمومَنا ... وتدقُ عقاربُ ساعتي . أشعرُ بالوقتِ لأولِ مرةٍ . يمرُّ . ينسحبُ من تحتَ أقدامي . أنزعُ حجرَ الساعةِ . كي أثبتُ للوقتِ أني أستطيعُ إيقافه . ربما وقتي فقط هو الذي أستطيعُ أن أفعلَ به هذا . لأتوقفُ . تمرُّ الحياةُ وتسبقني . سريعاً سريعاً . وأعودُ أنا . لنقطةِ بدايتي . مبدأي . وأردِّدُ .. كما رددتُ دائماً . وأشيرُ نحوَ القلبِ قائلاً . ومرَّت من هُنا ....!!


بقلم / محمد عبدالرحمن شحاتة